جلال الدين السيوطي
521
الإتقان في علوم القرآن
لا جرم « 1 » لا جرم : وردت في القرآن في خمسة مواضع متلوّة بأنّ واسمها ، ولم يجيء بعدها فعل . واختلف فيها : فقيل : ( لا ) نافية لما تقدّم ، و ( جرم ) فعل معناه حق ، و ( أنّ ) مع ما في حيّزه في موضع رفع . وقيل : زائدة ، وجرم معناه كسب ، أي : كسب لهم عملهم الندامة ، وما في حيزها في موضع نصب . وقيل : هما كلمتان ركبتا ، وصار معناهما حقّا . وقيل : معناهما لا بدّ ، وما بعدها في موضع نصب بإسقاط حرف الجر . لكنّ « 2 » لكنّ : مشددة النون : حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، ومعناه الاستدراك . وفسّر : بأن تنسب لما بعدها حكما مخالفا لحكم ما قبلها ، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مخالف لما بعدها أو مناقض له ، نحو : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 102 ] . وقد ترد للتوكيد مجردا عن الاستدراك ، قاله صاحب « البسيط » . وفسّر الاستدراك برفع ما توهّم ثبوته ، نحو : ما زيد شجاعا لكنه كريم ، لأنّ الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان . فنفي أحدهما يوهم نفي الآخر . ومثل التوكيد ، بنحو : لو جاءني أكرمته ، لكنه لم يجيء : فأكّدت ما أفادته ( لو ) من الامتناع . واختار ابن عصفور أنّها لهما معا ؛ وهو المختار ، كما أنّ كأنّ للتشبيه المؤكّد ، ولهذا قال بعضهم : إنها مركبة من ( لكن أنّ ) فطرحت الهمزة للتخفيف ونون ( لكن ) للساكنين . لكن « 3 » لكن : مخففة ، ضربان : أحدهما : مخفّفة من الثقيلة ، وهي حرف ابتداء لا يعمل ، بل لمجرد إفادة الاستدراك . وليست عاطفة ، لاقترانها بالعاطف في قوله : وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [ الزخرف : 76 ] .
--> ( 1 ) انظر الصاحبي ص 153 ، والبرهان 4 / 362 - 363 . ( 2 ) انظر البرهان 4 / 389 - 391 ، ورصف المباني ص 348 ، والمغني ص 322 . ( 3 ) انظر رصف المباني ص 345 ، والصاحبي ص 174 - 175 ، والبرهان 4 / 389 - 391 .